الرئيسية / الماوريري و الألمانية و أنا

الماوريري و الألمانية و أنا

إلتقينا كما تلتقي الأفلاك في المحيط الشاسع … كما تلتقي السحب في الأفق لتمطر و تثمر … كما تلتقي البذور بالثرى و الثريّا و النحلة بالأزهار و الماء بالأنهار و البحار و التبخر للأمطار … إلتقينا من عدة أصقاع من قاع القدر و صلبه من ما وراء الأغوار و الأسوار و الغابة السوداء… و سرنا سويا لبرهة كلمح البصر معتكفين بأنفسنا على أنفسنا بأنفاسنا البركانية الأزلية… نتقاسم سويا سعادة اللحظة و ننهل من حكم المخزون و التجارب…. نلامس هنا نتحسس هناك أطياف الأشكال و الألوان وبنات الأفكار البكر الراقصة على أنوفنا … نستنشق عطر الحياة و سرّ الإنسان فيها … بزغنا مع الشمس إكراما للشمس, و نورها الخلاّق و إكراما لنداء الأفق و المدّ اللامتناهي نحو الخالق و كونه… المدّ الدائم و المتلائم مع الشغف الصارخ في الإستمرار و البقاء… سرنا إذا كالفرشات الزاهية, مختلفة الألوان و المنتشية بذاتها وصفاتها… سرنا على طول الشاطئ الممتد بين المريسة و رأس كازوز بجرجيس … نجمع لقائط البحر و هداياه و هباته و بعض إسقاطات أفكارنا الإعصافية …نلهو بمحاكات أصوات الطيور البحرية و نقلّد حركات السرطان الجانبية أو نتسابق مع الحلزون في زحفه على الرمال السطحية, كانت الألمانية بيضاء كالثلج الجليدي الجميل شقراء كالذهب الفرعوني, يحسدها البحر على زرقة عينيها و أمواج تضاريسها اليافعة …. تتحرك برشاقة محتشمة و تبتسم للكائنات و الكون و تحتضنها بحنان … و كان الماوريري إبن الماوري النيوزلندي … يهتم بكل ما حولنا و يسأل عن كل شيء كالطفل الصغير و يقارنه بما هو موجود بجزره الأقيانوسية … إندهش أمام بعض الطيور البحرية آلتي لم يرها مباشرة من قبل و فرح بمشاهدة المواقع البونية و الرومانية و بعض قطع الصوان من العصر البدائي للإنسانية … هذه الأشياء المجهولة في بلاده بسبب حداثة تواجد البشرية بتلك الربوع بإعتبار أسبقية الأبوريجان بأستراليا … واصلنا السير إذا, نتبادل الحديث بكل اللغات و أحيانا بدونها, بسموّنا فوق الإختلافات و الخصوصيات و توضيفها في تطعيم بعضنا البعض بالحكم المكتسبة و التجارب الإنسانية المتنوعة… فكنّا نلاحظ نفس الملاحظات و نستنتج نفس الأفكار و لم نتأكد من مدى قواسمنا الحضارية و الإنسانية المشتركة إلا عند الإفصاح عن ما يخالج كل واحد منا و هو ما يمكن إعتباره موحدنا و مصدرنا و سيرورتنا المسطرّة و المشفّرة فينا. و في الأثناء ,و بفضل دقة النظر و التركيز على مكونات و جزئيات المحيط المباشر لاحظت فجأة وجود بعض العضام بين الأعشاب البحرية ألتي أخرجتها الأمواج إلى اليابسة, عضام تختلف عن تلك المكونة لهياكل السلاحف أو الدلافين و بدت لي كأنها لأدمى قد يكون من إخوتنا ضحايا الهجرة الغير شرعية … و عاين رفاقي المشهد بحزن, فطلبت منهم الوقوف بجانبي في إتجاه القبلة المكرّمة و تلوت الفاتحة و بعض السور القرآنية ترحما على أرواح الضحايا. و كان الماوريري و الألمانية يرددون ما أقول متضرعين بأيدينا المفتوحة إلى السماء, و البحر يلتهم ابتهالاتنا الصادقة و الغير مسبوقة من طرف مثل هذه المجموعة البشرية في مثل هذا المكان و هذا الظرف … و تأثرت الألمانية بهذا المشهد خاصة عندما أخبرتها بأنني أجمع دوريا هذه البقايا البشرية لدفنها في مكان فوق هضبة جميلة مطلة على البحر … كما إستنكرت مأساة “الحراقة” التي تعدّ أيضا نوعا من أنواع الإبادة الجماعية للهجرة البيئية التاريخية و التي بدأت تتكرر نظرا لفقر الجنوب و التصحر الناتج عن التضخم الحراري… أما الماوريري فتأسف لحالة الإنغلاق و التمترس التي يقوم بها الغرب و الإكتفاء بالإنتقاء لكل ما يفيده على حساب الشعوب الفقيرة … و تحدث عن عبرة ما حصل لشعبه الماوريري الذي عندما إنفصل عن الماوري و نزل بجزيرة بعيدة و بنى حضارة مسالمة و علاقات إجتماعية عادلة و حكيمة … هجم عليه و لاحقه الماوري و شتته بدون رحمة … و عندها تذكّرت إمكانية تكرار هذا السيناريو لتونسنا الحبيبة لأن حضارتها و نجاحاتها و إنسانيتها لا تعجب بالضرورة كثيرا من المتربصين بها … وعندما مررنا بجانب حقل مخضّب بأزهار شقائق النعمان الحمراء دعانا الماوري الى الوقوف دقيقة احتراما لجنود نيوزيلاندا الذين ماتوا في مثل هذا الحقل أثناء الحرب مع الحلفاء ضد المحور … أو بالمفعول الرجعي المختصر بين الماوري و الألمانية … حتى أصبح هذا الحدث ذكرى وطنية و أصبحت زهور شقائق النعمان رمزا لها … و بين الحزن و السعادة و الإنتشاء و الحكمة و الإنبهار و الثورة و المهادنة و الإندفاع و الروية و التاريخ و الواقع و الطموح و الممكن … واصلنا حوار المشّائين الحكماء … الى درجة أنني لم أفكّر قط في قطع يد الماوري أو صلبه و لم أفكر قط في وأدّ الألمانية أو إغتصابها, كما لم تفكر هي أيضا, و الله أعلم, في وضعنا في المحتشدات و الأفران الكهربائية لصنع الصابون من دهوننا … كما لم يفكر الماوريري في ربطنا إلى ركيزة و الرقص حولنا في إنتظار حضور شوائنا على نار هادئة … و الحمد لله, لم تعد هذه التجارب السيئة التي مرت بها كافة الشعوب بشكل أو بأخر… حاضرة في سلوكاتنا المعاصرة … و لئن تحول بعضها إلى عنف ممنهج و مبررّ, يخدم مصالح القوى الكبرى … التي لا تحترم بالضرورة الجوانب الإنسانية و البيئية… هذه الهيمنة الجديدة التي ستزول حتما بفضل التقارب بين الشعوب و نظالاتها على درب الثورة التونسية ثورة الألفية و الحرية .
وهكذا تمشى المشاؤون و إنصرف الماوريري و الألمانية الجميلة و بوغميقة المشاكس, كل إلى قطيعة و مشاغله اليومية ريثما تنظمّ القطعان لبعضها و تخدم مصير الإنسان و تكف عن التقوقع و الحفر على مصادر اختلافاتها مثل الديك الذي يبحث عن موسى ليذبح بها … ذلك القطيع الذي سيرتقي بنا حتما
إلى مستوى الإنسان الحكيم و الدارك بأنه حكيم و العارف بأنه دارك بأنه حكيم و مسؤول على جزء كبير من الحياة بعد الله و يتصرّف بإعتبار ذلك لذلك.
و في هذا المستوى , و أمام هذه الصورة الحية و النموذجية , يمكن تخيل هذا اللقاء و الإلتقاء أنه وقع في مراحل سابقة من تاريخ البشرية مثل العصر البدائي و العصر الروماني و العهد الإسلامي أو فترات الإنحطاط … عندما لم يتجاوز كل منا خصوصياته الرافضة للأخر و الخاضعة لعلاقات مشروطة … فهنيئا للإنسان بهذا السمو النوعي الذي ساهمت فيه الأديان بأخلاقها و الحضارات بإضافاتها و الشعوب بنضالاتها و توافقاتها.

محسن لهيذب 24/03/2012
ذاكرة البحر و الإنسان بجرجيس

 
This site is protected by WP-CopyRightPro