الرئيسية / الانجاز الثوري

الانجاز الثوري

في زمن كثر فيه النقد و الانتقاد و الكفر و الاعتقاد و التطور و الارتداد…. يجب على العاقل أن لا يسقط في الصفراوية و التشاؤم و السوداوية الفردية و الجماعية ليرى الأشياء كما هي على حقيقتها و إنصاف طبيعتها… و هذا يتطلب تجاوز الأحكام المسبقة و المعهود واعتبار كل شيء مولود مشرق وواعد و مسعود…
كنت كالعادة أجوب الشواطئ الجنوبية للنظافة و مراقبة تجاوزات التلوث و التراث و الثقافة… عندما دعاني أحد المستثمرين لزيارة مشروعه المندمج و معاينة مكوناته و أنشطته و تصميماته.. فكان ذلك بين عشرات الأبقار العملاقة الحلابة و الولادة و العجول الضخمة لللحوم و كانت تتناول غذاءا من العلف الطبيعي السليم و تخضع لمراقبة بيطرية دائمة…. و من الجانب الآخر يرتع قطيع من الماعز و التيوس الأصيلة و المتأصلة و المستوردة من الخارج و حولها مجموعات من البطّ و الديك الرومي و مئات الدجاج المحلي…. و مررنا بجانب مسلخ بصدد البناء لبيع الدجاج المذبوح مباشرة للحرفاء و ذبح العجول حسب الطلب للمناسبات الكبرى مثل الأعراس و غيرها….ثم دخلنا مكانا
معقما لحلب الأبقار بطريقة آلية و مخصص لتخزين الحليب.. و هذا مكان للعجول حديثة الولادة لحمايتها و رعايتها…. و هناك بقرة على وشك الوضع مراقبة عن بعد على شاشة للتدخل و لدعوة البيطري للقيام بعملية قيصرية إن لزم الأمر علما و أن كل الضيعة تخضع للمراقبة الالكترونية الدائمة…
و كان في الأثناء يحدثني المستثمر عن اختياره للمكان على أساس الطقس المعتدل في كل الفصول و كيف أنه اعتمد على الله و على نفسه و لم يترقب البنوك و الصناديق الواعدة و كيف أن خبرته بالغرفة الفنية الاقتصادية أعانته على هذا الاكتساح و التعاون مع فريق من البياطرة و المختصين و خاصة معهد المناطق القاحلة الذي لم يدخر جهدا في الدعم و المتابعة العلمية و التجريبية …. و ذكر أن له تعاونا مستمرا مع مؤسسات و جمعيات أجنبية في ميدان الأجبان لأنه ركز فعلا معملا عصريا للغرض لحويل منتوجه من الحليب إلى إحدى عشر نوعا من الجبن بمواصفات عالمية ممتازة.. و كنت قد تذوقت بعضا منها عندما أدخلني إلى هذا المعمل المعقم و الحديث… و بطبيعة الحال اعتمد على الشروط الصحية اللازمة و الشروط البيئية المطلوبة و عدم استعمال العلف المركب أو الكيميائيات إلى درجة أن “الخميرة” التي يستعملها طبيعية و تقليدية….
هنا، و أمام هذا المشروع المتكامل و المتراكم عموديا في سلسلة من الأنشطة المترابطة عضويا و صناعيا و على أساس هذا المجهود الفردي و التمويل الشخصي و الحضور المباشر و الفعلي لمراقبة كافة مراحل المشروع، و أمام الاندماج الكامل لهذا المركب في محيطه من مرحلة الإنتاج إلى التصنيع و التحويل إلى الاستهلاك حتى التصدير… و اعتبارا لتفتح هذا المشروع على البحث العلمي و المرافقة الجامعية و الخبرات الدولية… يمكن لنا، و بكل أحقية اعتباره انجازا نموذجيا لما بعد الثورة و مثالا يحتذى به لكل من يريد الإضافة بتوفير الشغل و الغذاء و الثروة و العملة الصعبة…
فهنيئا لهذا الانجاز الثوري في زمن يهدد بارتداد مفاهيم الثورة .

محسن لهيذب
29 /10/2012
ذاكرة البحر و الانسان جرجيس