الرئيسية / المخرج السينمائي محمد الزرن… الإبداع اليوم يتهدّده خطر ديكتاتورية الفرد

المخرج السينمائي محمد الزرن… الإبداع اليوم يتهدّده خطر ديكتاتورية الفرد

المخرج السينمائي محمد الزرن… الإبداع اليوم يتهدّده خطر ديكتاتورية الفرد
بين جرجيس ومحمد الزرن حكاية حب رائعة، نظمها في قوافي “زرزيس” أو “العيش هنا”، وبين تونس ومحمد الزرن قصة حبّ أروع كتبها بقلمه، كما أحبّ أن يصف آلته التصويرية، التي واكبت المظاهرات والمسيرات الشعبيّة إبّان ثورة 14 جانفي من خلال “ديغاج، الشعب يريد”.
شخصية بسيطة جِدُّ متواضعة، عميقة في الثقافة والفكر، طموحة للأفضل القادم، محبّة للوطن بكلّ ما تحمل كلمة الحبّ من معاني راقية، هذا هو المخرج السينمائي التونسي جمال الزرن، صاحب الكاميرا التي لم تبخل بحضورها على الشعب التونسي وهو في قمّة غليانه. شارع الحبيب بورقيبة، القصبة، سيدي بوزيد، كلّها أماكن احتضنتها هذه الكاميرا يحملها المخرج على كتفه، يركض مع الراكضين ويثور مع الثائرين.
في رصيده العديد من الإنتاجات السينمائية: “كسّار الحصى” (1989)، “يا نبيل” (1993)، “السيدة” (1996)، “نشيد الألفية” (2002)، “الأمير” (2005)، “زرزيس” (2009)، وأخيرا “ديغاج الشعب يريد” (2011). حاز فيلم الأمير على عدد من الجوائز العالمية القيمة إذ شارك في مهرجان وغادوو ونال جائزة أحسن تركيب، ونال جائزة أحسن ممثل في مهرجان وجدة. كما حاز فيلم “زرزيس” على جائزة اللؤلؤة الذهبية لأفضل إخراج في مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي بأبوظبي لسنة 2009.
وكالة أخبار المرأة كان لها لقاء معه في حوار متميّز طرحنا فيه عددا من القضايا الفكرية والثقافية التي تطفو على السّاحة الإبداعية في تونس.
———————————————————————–
آخر إنتاج سينمائي لك “ديغاج، الشعب يريد”، هذا الفيلم هو تأريخ للثورة، فهل هو أيضا تعبير عن ثورة كاميرا محمد الزرن؟
إنّها الثورة كما عايشتها وكما شاهدتها، لقد أردت بكلّ تواضع أن أبرزها من خلال زاوية معيّنة، هي رؤيتي الخاصة للحدث، إذ اختلفت نظرة كل من صوّر هذه الثورة، وكلّ كانت له فكرته التي أراد أن يعبّر عنها. لكن ما ميّز الفيلم أنّني نزلت بنفسي إلى الشارع والكاميرا على كتفي لتصوير ذلك المشهد الثوري الذي أبدعه شعب تونس، ورغم أنّي كنت موجودا في أشدّ اللحظات حرجا، من غازات مسيّلة للدموع وعيارات ناريّة إلاّ أنّني لا أعتبر نفسي صحفيا أو بطلا لهذا الفيلم، بل أحسست بأنّني مواطن تونسي بكل ما تحمل الكلمة من معاني، والفارق بيني وبين من كان حاضرا في تلك الأماكن هو الكاميرا التي أعتبرها قلمي الخاص، هذا القلم الذي عانق شارع الحبيب بورقيبة والقصبة وسيدي بوزيد ليصوّر الأبطال الحقيقيين لهذا الفيلم التوثيقي، وكانوا متعاونين جدّا معي رغم أن تلك الفترة عرفت عِداءاً بين الشعب والكاميرا، حتّى أنّني لحظة أٌغمي عليّ بسبب انفجار قارورة غاز مسيل للدموع عند قدميّ لم أجد إلاّ المتظاهرين ليمدّوني بالإسعافات الكاملة، ولحمايتي.
الأماكن البسيطة إذن تفرض نفسها في أفلامك، من فيلم السيدة إلى فيلم الأمير الذي عايش حركة شارع الحبيب بورقيبة ثم فيلم زرزيس المصوّر في مسقط رأسك جرجيس. فما هي قيمة المكان عندك؟
السينما وليدة الفضاء، وبين الفضاء والرّوح علاقة تماهي، هذه الرّوح التي تسكن شخصيات الفيلم، وكلّ ما يحيط بها يعبّر عن الذّات الإنسانية. وبالتالي يكون المكان هو الشخصية الرئيسيّة في السيناريو، الذي تتلخّص فيه الأحاسيس والمعاني التي تعبّر عن عمق الشخصيات، ولعلّني أحيلك بذلك على بيت أي شخص عادي، حين تدخلينه تستطيعين التعرّف على شخصيّة صاحب المكان سواء من خلال الديكور أو الألوان أو طريقة التنظيم، فهو بالفعل يعبّر عن الرّوح التي تمتزج معه. أمّا عن البساطة، فأنا أرى أنّها تعبّر عن جمالية التجريد الذي يستطيع أن يخطو بنا نحو أقوى المعاني الإنسانية التي لا حدود لها.
إغلاق قاعة أفريكا آر أدخل الثقافة في نفق مظلم
صرّحت في أحد حواراتك الصحفية أنّ “قاعة أفريكا آر” وحدها قد تؤسّس لجسد سينمائي حيّ يتنفّس ويتحرّك”، أغلقت القاعة، فماذا تبقّى للسينما في تونس؟
إغلاق القاعة كان أمراً محزنا بالفعل، لقد كانت وجه شارع الحبيب بورقيبة. وبقدر ما كانت هذه القاعة تمثّل مركزا ديناميكيا للسينما، كان إغلاقها نهاية لنفَسٍ سينمائي كامل، إذ بدأت تتأسّس معها حركة سينمائية قوية في تونس، مع ما بدأ ينتجه المخرجون التونسيون الشّبّان، كما أنها كانت مفتوحة على التجارب التونسية والعالمية. إنّ إغلاقها يعني اقتلاع رئتي الفضاء الذي كان مؤهّلا للنهوض بالسينما في بلادنا وخاصة للمجهودات التي كنا نقوم بها أنا ونجيب بالهادي. لقد دخلنا في نفق مظلم بعد أن كنّا نجد في أفريكا آر النور، نمرّ من أمامها فنحسّ الظلمة الحالكة التي بدأت تواجهها بلادنا اليوم فكريّا وثقافيّا وفنّيا. ما حصل بالنهاية هو جزء من هذه الظلمة الفكرية وانعدام احترام الرأي والرأي الآخر.
كيف ترى مستقبل الاختلاف الفكري والإيديولوجي في تونس؟
الشعب التونسي منفتح بطبيعته على الآخر ولا يستطيع العيش إلاّ داخل نسيجه المجتمعي، الذي ورغم اختلافاته الفكرية والأيديولوجية والعقائدية، تعوّد الفرد فيه على احترام الآخر. وما تعيشه البلاد اليوم سببه فئة قليلة جدا من هذا المجتمع لا تمثّل الأغلبية، لكنّ تأثيراتها السلبيّة تعود إلى التسيّب الأمني والسياسي الذي أستغربه، إذ لم يقع التصدّي لهم فعليّا، بل تمّ التعامل معهم من منظور “ديمقراطي” لقمع الديمقراطية الحقيقية في البلاد، وهذا ما أعتبره خطرا كبيرا.
الإسلام دين لا يترعرع إلاّ بفتح منابر الثقافة
كيف ترى مستقبل حرية الإبداع في تونس؟
لقد قمنا باِسقاط ديكتاتور، وكان الإبداع في عهده يخضع للرّقابة، ومن المفارقات أنّ الإبداع في تلك الفترة هو أن تتجاوز السّلطة. واليوم، ننتقل إلى ديكتاتورية الفرد، فأصبح كلّ فرد من المجتمع قادراً أن يكون ديكتاتوراً، وهو ما يشكّل خطرا على الحرية. أما بالنسبة للمبدع فإنّ ذلك سيكون حافزا قويا للخلق والإبداع مع وجود الرقابة الذاتية، فالمبدع اليوم أصبح مهدّدا جسدياً ومادّياً. أما بالنسبة إليّ سيعطيني ذلك دفعة أقوى للعمل وتحدّياً أكبر للخلق والإبداع بلغة جديدة، لأنطلق من مشاغلي أنا نحو عالم أوسع وأكبر نستطيع الخروج به من تونس باتجاه إنسانيّة أشمل وأعمق. كانت الثورة مرآة تونس فأبرزت ملامحها التي كانت مجهولة. من هنا علينا أن نتحدّث فنّيّا عما يُخالجنا بلغة إبداعية متجددة تُطوّر وتضيف لما هو موجود خارج الحدود، وهكذا يمكننا أن نخلق تجربتنا الخاصة في السينما ليكون حظنا أوفر في الحضور على المستوى العالمي وأهم.
بعد الجوائز القيّمة والمشرّفة، كيف يؤثّث محمد الزرن أعماله المستقبلية؟
أنا حاليّا بصدد كتابة فيلم عن الثورة من خلال سيرة محمد البوعزيزي، عنوانه “البوعزيزي الشعلة”، وهو فيلم روائي طويل من إنتاج طارق بن عمّار. كما أنّ لي فيلما طويلا آخر بعنوان “ليليا” وسيكون مفاجأة للجمهور، سأقول فقط إنّه قصّة امرأة غير عادية بأتمّ معنى الكلمة، ولقد حصلت على دعم من وزارة الثقافة لإنجاز هذا الشريط.
لك كلمة الختام عمّا يحصل اليوم في تونس، وتونس الغد.
أنا لا أعتبر أن الثورة بعد 14 جانفي كانت ناجحة، ولا أرى أن انتخابات المجلس التأسيسي كانت في المستوى المطلوب، فلقد كان لابدّ من إعطاء الأولوية لمسألتي الثقافة والوعي، بمعنى فتح كلّ منابر الثقافة والفنّ حتى يستطيع كل مواطن في تونس أن يكتشف نفسه من جهة ويكتشف الآخر من جهة أخرى، حتّى يكون واعيا بما تخوضه البلاد وقادرا على الإعداد للمرحلة الانتقالية. لكن وللأسف، بدل فتح هذه المنابر، تمّ تحويل المساجد التي بدل أن تكون مفتوحة لذكر الله، إلى منابر سياسيّة. نحن شعب مسلم، ديننا الإسلام وهو دين يجب أن ينمو ويترعرع في محيط ثقافي واعٍ، أي مع كلّ مؤسّسة دينية وجب إنشاء فضاء ثقافي من دار سينما أو مسرح أو كلّ ما يمتّ بصلة إلى الثقافة، حتى نكون قادرين على النهوض بالبلاد بشكل راقٍ ومتميّز.
حاورته الثريا رمضان