الرئيسية / أخبار محلية / الى روح فقيد تونس الشهيد شكري بلعيد

الى روح فقيد تونس الشهيد شكري بلعيد

بين “أحبك يا شعب” و “أبناء شعبنا” زعيمان تعطرت بدمائهما تونس الجميلة…لم تترك الغوغاء لدم الشهيد ان يتخضب براحة و لا للحزن ان يأخذ مأخذه في هدوء…فارتعش القلم من جديد بعد ان كاد يجف…واستفزته مهابة موكب عرس الشهيد في 8 فيفري و في نفس الوقت سخافة الغوغاء في شارع الحبيب بورقيبة في اليوم الموالي و التي ترأسها و للأسف وزراء الدولة غداة جنازة وطنية مهيبة و كأنهم ليسوا من هذا الشعب و لا في هذا الوطن.
مأتى الاستفزاز هو انعدام “الذوق السياسي” لدى من هالتهم عظمة شعب يزف شهيده دون ان يستوعبوها (العظمة) فراحوا يلوثون بسخافاتهم اجواء شعب يبكي بطله. استكثروا على الفارس المقاتل استراحته. فكشف في أخر صولاته وهو يترجل أقنعة غادريه.
نحن جيل شكري بلعيد. رأيناه و لمسناه فوق “حجرات سقراط” في كل مكان أثناء الاجتماعات في الساحات او أثناء المرافعات في المحاكم. يترنح نصفه الأعلى تارة الى الوراء و طورا الى الامام في ترنيمة مع صوت الحق الذي من فرط صدقه يصدح به ليس من الحلق او الشفتين بل من جوف الأحشاء. و هو سبب ترنحه. بينما الساقين ثابتتين كالجبال الرواسي. ذلك هو شكري بلعيد الذي دون ان يكترث لذلك جعل من صورة “سلفه” فرحات حشاد وهو يخطب في شعبه مستهلا بــ”أحبك يا شعب” صورة حّية نعيشها يوميا دون ان نتفطن لها بدل تلك الصورة التي جلبها لنا الزمان “بالأبيض والأسود” مع عظماء التاريخ.
ذلك هو ابن الشعب الذي يتغنى بــ”أبناء شعبه” فتغنى به شعبه يوم توديعه. وانصهرت حينئذ عظمة الشعب في عظمة الشخص فوّشحته الزعامة و البطولة.
يبدو ان من بين ما يجمّع الثائرين عبر الأزمان و الأمكنة هو قصر حياتهم الفعلية و خلود حياتهم الاعتبارية. فـــــ”تشي” لم يعش اكثر من 39 سنة و حشاد لم يتجاوز 38 سنة و عبد الناصر 52 سنة و بن يوسف 54 سنة. اما شكري فتوسط أسلافه ولم يكمل ربيعه التسعة و أربعين.
لم يبحث أي منهم عن شهرة. بل ان مجرد التساؤل عن هذا الاحتمال تطاول على مقاماتهم الشاهقة. كل منهم آمن بقضيته على طريقته الفذّة التي لا يعرف كنهها سوى هو و لا احد غيره. عايشها و احتضنها منذ ان بدأ يتحسس الحياة.
كما وحّد حشاد شعب تونس و عجّل باستقلاله فكان رمزا له يخلّده جيلا بعد جيل شاء القدر ان يتلقف شكري الرسالة و يوحّد شعب تونس من جديد في هذه اللحظة العصيبة الناتجة عن حادثة اغتياله ذاتها.
هكذا اصبح للثورة التونسية زعيم. والزعيم شهيد. و من يكرم الشهيد يتبع خطاه. وخطى بلعيد هي الحرية و الكرامة و العدالة الاجتماعية. وكل هذا لا يتحقق دون الحفاظ على الوحدة الوطنية وعاء للحرية و الكرامة و العدالة الاجتماعية. بعيدا عن الدمغجة والسفسطة التي ما فتئ من اعتقد ان البلاد ملكه و العباد عبيده يصم بها آذاننا. كالقول بحكومة كفاءات من الاحزاب و كأنه يعترف – و اعترافه صحيح – ان الوزراء الحاليين ليسوا بكفاءات وطنية.
أكد الزعيم الشهيد على ضرورة الوفاق في اطار الحوار الوطني دون الاحتراب…حتى تكون تونس “تعددية ديمقراطية تحتمل الجميع في نطاق سلمي مدني ديمقراطي…”
و لعل ما ذهب اليه السيد الوزير الاول في رغبته في تعيين حكومة كفاءات مستقلة عن الاحزاب يرأسها بنفسه يكون خطوة واقعية اولى تؤدي الى وصية الشهيد مع اعتبار ملاحظتين متكاملتين:
اولها ان اول ما يمكن ان يستنتجه العاقل من هذا المقترح ان السيد الوزير الاول بوصفه امين عام حزب حركة النهضة سينتدب كفاءات ( موظفون تحت امرته بالنظر الى القانون المؤقت للسلط الذي يمنحه صلاحيات كبرى….). وان الوزراء سيطبقون سياسته او بالأحرى سياسة حزبه و نبقى حينئذ في نفس المربع الاول…
ثانيها: إلا ان البراغمتية لمصلحة الوطن و بعد النظر يقتضيان تدبر هذا الحل و اعطاء الثقة في الرجل لأنه بهذا الخيار جعل لنفسه واقعيا مسافة بينه و بين حركة النهضة حتى و لو بقي أمينها العام. كما ان انطباع الناس الراهن عن علاقة الرجل بحزبه يجعل من هذا الاخير (الحزب)غير معني بالمضرة او الاستفادة من التجربة. ذلك ان الجبالي اصبح رجل دولة اكثر من كونه رئيس حزب…و ذلك هو سحر تحمل المسؤولية في الدولة…
ثم انه بإطّلاعنا على فحوى رسالة الوزير الاول الموجهة الى الاحزاب و المنشورة بيومية المغرب ليوم الثلاثاء 12 فيفري 2013 نلاحظ ان الرجل وضع اصبعه على الداء بكل روح مسؤولية رجل الدولة بشكل كادت ان تكون الرسالة في ذاتها خارطة طريق. و نقول لمن يتشبث بالأرضية السياسية للحكومة انه لا يستطيع ان ينزع عن حكومة الكفاءات صبغتها السياسية. بل هي السبيل العملي الوحيد لتحقيق التوافق عبر الحوار الوطني وإرضاء الجميع دون تشريك الجميع. و لعل في عملية نقل الحجر الأسود من موقعه اثناء ترميم الكعبة قبل الرسالة المحمدية عبرة لأولي الالباب.
فعلى القوى الوطنية النظر لمقترح الرجل بجدية مع تنبيه السيد الوزير الاول لضرورة اختيار كفاءات ذات “قوة شخصية” تحصنها من الضغط خاصة في ما يتعلق بوزارات السيادة…
و في كل الاحوال فهو الحل الانسب للازمة الحالية امام تعنت البعض باسم “حماية الشرعية” و كأن الشرعية دائمة و لا تهتز… و لقطع دابر من يعد لـــ”مليونية الجمعة” و كأن المليونية لا يمكن ان تكون سوى يوم الجمعة. يوم تشترى ذمم من يقف على منبر الرسول صلوات الله عليه و سلامه.
“فأما الزبد فيذهب جفاء واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض” صدق الله العظيم و رحم الله شهيد الحرية و الكرامة شكري بلعيد و اسكنه فراديس جنانه.
الصياح الوريمي./.