الرئيسية / جرجيس Zarzis / حتمية الثورة الثقافية

حتمية الثورة الثقافية

الآن و بعد ثمانية أشهر من انتصار الثورة المدنية و إعلان الحرية و انطلاق الموجة التحررية من أجل حضارة الألفية الثالثة و نظام جديد … يعتمد على الإنسان و يكرس الأمن و الأمان لكل الناس في كل مكان… نظام يؤمن العيش و الغذاء و الشغل و الكرامة و الصحة و السلامة … نظام يفكك الظلم و الاستبداد و أسباب الإضطهاد … نظام يفتح الأبواب أمام كل الشباب على درب الأنعتاق و الحرية المستدامة …نظام يؤثث لعالم جديد يتأخى فيه الإنسان مع الإنسان و طبيعة المكان … نظام يوزع الثروة بإستحقاق على الإخوة و الرفاق و الفقراء و سكان الصحراء و الأدغال و جزر الواق واق … نظام تلغى فيه العبودية الجديدة و الإستعمار الجديد و الوصاية البليدة و العنف و الدمار… و يتساوى فيه الغني و الفقير و العامل و المدير و كافة الشعوب و الأجناس…
و على هذا الأساس , و أمام بوادر الإلتباس و بعض سلوكات الإنتكاس و المساس بأهداف الثورة و دخول البعض في التحزب المفرط و البعض الأخر في الإستعداء و التخندق… وجب تجاوز الذات و الغرائز الحمقاء و الإرتقاء إلى مستوى القيم المحلية و الحضارة الأهلية و مضمون الضمير الجماعي و موروثنا الإبداعي… هذه القيم المكتسبة, التي أبهرت الإسلام بالإسلام و أبهرت الإنسانية بالإنسان و السلام بالمدنية… و أبهرت كذلك العالم بالصدق و التضامن و قبول الأخر بدون شروط…حينما جاء المصريون من ليبيا و وقع إستقبالهم بكل حفاوة و تلقائية … و عندما نزل علينا اللبيين سالمين أمنين بالرغم من إختلاف مشاغلهم و مشاربهم و إنتمائاتهم…عندما تصرف الجميع بحكمة على الحدود , على حافة كل الحدود و مشاكل الواقع و المفترض و الموعود… إذا وجب علينا الإرتقاء إلى هذا المستوى الشعبي المتقدم و الخروج بيه من المضمون إلى المعلن و تأكيد ملامحه و تضاريس معالمه…
هذا المستوى الراقي الذي أصبح مرجعا إجتماعيا و سلوكيا لكل شعوب العالم, في التعامل بحكمة مع الأحداث و إفراز سلوك طبيعي متوازن و مسؤول…
هذا̨ و أمام هذا النجاح الباهر و الامتياز أمام هذه الامتحانات الصعبة , و بالرغم من بعض التفاصيل ألتي وجب إستدراكها… أصبحت الثورة الثقافية ضرورة ملحة لدعم الثورة المدنية هذه لتفكيك أسباب تعطيل مسارها و ذلك بمراجعة بعض التراكمات و الإخلالات… هذه الثورة الثقافية ألتي أصبحت مطالبة بمراجعة الفكر السائد و المهيمن على بعض أوجه الحياة و مرافقته نحو مرونة أكثر و مساحات تزدهر فيها ملكة التفكير و التنوير و حب الله و الحياة … و ذلك أساسا, بتفكيك قاموس الكلمات التي تتجاوز أحجام معانيها الحقيقية إلى المجازية و تأدي مباشرة إلى سوء الفهم و غالبا إلى الغضب و الإستنكار و أحيانا حتى إلى الفوضى العارمة على حساب تحكيم العقل و الموروث الثقافي و الديني. كم من كلمة في لغتنا و في لهجاتنا تثير الحساسيات بمعناها المباشر أو الرمزي أو صيغة نطقها أو زمانه أو مكانه… كم من حركة لا تثير النعرات القبلية و الجهوية و تخرج على السطح مخلفات متعجرفة لا تترقب سوى هذه الفرصة للاشتعال و العريدة … هل يمكن لهذه الثورة الثقافية أن تصالحنا مع الكلمات المتعلقة بالحيوانات و الكائنات و تفرغها من ما شحن فيها عبر الأجيال من عنف غير مبرر و أحكام مسبقة ظالمة… كيف يمكن التصالح مع الكلمات و إرجاعها إلى حجمها الحقيقي حتى تتجاوزها إلى الفعل الإيجابي… بإعتبار أنه يختلف وقعها حسب المكان و السياق و الظرف و المحيط الثقافي و السياسي و العقائدي…كيف يمكن إفراغ الحقد و التمييز من كلمات مثل مازقري, براني, يهودي, حركي, رومي… أو تلك المشحونة بالظلم و التعسف على الحيوانات مثل: حمار, قرد, خنزير, جرذان, كلب, بغل… أو عندما تضخ في بعض النعوت السياسية أبعاد شيطانية تتجاوز الإختلاف الفكري إلى شمولية الرفض الكامل مثل: دستوري, إخوانجي, علماني, تجمعي, ملحد, بعثي, قومي, شيعي…. أو عندما تقوم القائمة إثر زلة لسان عفوية أو خطا نحوي بسيط لا يغير المعنى أو إهمال كسرة أو رفعة أو نصبة أو همزة أو سكون كأن الإنسان ليس قابل للخطأ و ليس له الحق في حرية الرأي و التعبير و أيضا حرية الخطاء الغير معتمد…
هذه الثورة الثقافية المطالبة أيضا بإفراغ المجتمع من الأحاسيس البدائية مثل الخوف و الطمع و الحقد و الحسد و الغيرة و الأنانية و التسلط و الشجاعة الجوفاء و البطولة النرجسية و الخضوع و الاستجداء… لترافق المواطن نحو توازن الشخصية و مقومات المسؤولية البشرية… كما على هذه الثورة الثقافية, المساهمة في إستئصال العنف المضغوط و الكامن في مفاهيمنا التقليدية و الذي يتربص بنا في كل مناسبة جماعية.
فكم من مدينة و كم من قبيلة خرجت عن أصولها و اصالتها و تصادمت مع جيرانها و مات من مات و جرح من جرح إثر الإشاعات و سموم الكلمات و التسرع في القراءات… لذلك و لكل هذا, فالثورة الثقافية حتمية لإتمام و إنجاح الثورة المدنية التونسية͵ ثورة الألفية و كافة الإنسانية.

محسن لهيذب ذاكرة البحر و الإنسان

جرجيس في 08/09/ 2011

Lihidheb mohsen
Eco artiste
4170 Zarzis Tunisie
0021698254426 begin_of_the_skype_highlighting 0021698254426 end_of_the_skype_highlighting
www.seamemory.org
http://boughmiga.skyblog.com
http://zarzissea.skyblog.com
http://www.webtunisiens.com/boughmiga