الرئيسية / في ذكرى 20 مارس 1956 …اليوسفية قضية شعب…

في ذكرى 20 مارس 1956 …اليوسفية قضية شعب…

في ذكرى 20 مارس 1956 …اليوسفية قضية شعب…لا جدال في ان محطة20 مارس 1956 مفصل من مفاصل التاريخ الحديث لشعبنا ان لم نقل اهم مفاصله.
و ان ما سبقها و ما لحقها من احداث الصراع اليوسفي البورقيبي و ما افضت اليه نتيجته ( الصراع )اثرّت بالغ التأثير في النفسية السياسية العامة لمكونات الشأن السياسي في تونس. فانقسمت تلك المكونات في عمومها الى “ثورية جذرية” تريد التغيير من خارج النظام القانوني القائم و “اصلاحية” لا تعارض التعامل مع النظام من داخل منظومته السياسية و القانونية. فمعيار “يمين و يسار” على سبيل المثال لم يكن له مكان في معايير الصراع السياسي في تونس الا نادرا و داخل اسوار الجامعة التونسية. فكانت مواجهة النظام للفئة الاولى قمعية و احيانا دموية و للفئة الثانية “ناعمة” و سياسية الى حدّ ما.
كما كانت نتائج الصراع اليوسفي البورقيبي سببا و للاسف في زرع اولى بذور الاستبداد في بنيان الدولة الحديثة.

ان ما دفعنا للحديث عن اهمية الصراع اليوسفي البورقيبي في تاريخ تونس الحديث هو رغبة البعض – بقطع النظر عن الدوافع – اختزال الحركة اليوسفية في مجرد سعي لتأصيل حركة فكرية او ايديولوجية او حزبية يرى هذا البعض نفسه فيها. الاّ ان هذا التمشّي – و ليعذرني في ذلك الاخوة القوميون في حركة الشعب او خارجها – ليس مصادرة لحق الشعب التونسي بجميع اتجاهاته و رؤاه في التصرف في جزء من تاريخه فحسب – و كأن صالح بن يوسف او اليوسفيين عموما كأطراف في معركة التحرر الوطني هم قوميون بالمعنى الايديولوجي للكلم – بل أيضا تعسّف على التاريخ و على الحركة اليوسفية ذاتها.

ثم ان الادهى و الامّر هو محاولة البعض اختزال اليوسفية في مجرد شكاية معزولة و مردوفة بمقال في جريدة و بعض الردود عليه. و كأن انصاف الحركة اليوسفية و ردّ الاعتبار لرموزها ينحصر في محاكمة شخص او ثلاثة أشخاص في خريف أعمارهم.
هذا ما جعلنا ندخل على الخط محاولة منا لحسم النزاع و وضع نهاية له و هو ما يفسّر بعض التشنّج الذي تخلّل هذه الاسطر.

ان اعادة قراءة الصراع اليوسفي البورقيبي كجزء من تاريخ التحرر الوطني و بناء الدولة الحديثة بغاية ادراجه رسميا و نهائيا في المخزون التاريخي و الثقافي للشعب التونسي بأتم ما لهذا الكلام من معنى لن يكون محل تطاول بل يتطلّب حوارا وطنيا و اكاديميا بامتياز موسّعا و معمّقا في آن واحد ينخرط فيه كل المعنيين به٫ مؤرخون و حقوقيون و ربما علماء انتروبولوجيا الانسان….و ذلك على نفقة المجموعة الوطنية لأنه شأن عام يهّم الجميع.

أمّا على الصعيد القانوني فان فشل او نجاح أي قضية مرهون عادة بأمرين اثنين , عدالة القضية من ناحية و مدى أيمان من تبنّاها بها من ناحية اخرى.

أمّا الامر الاول فنخاله – بدون تردد – متوفّرا في ضرورة ردّ اعتبار و حقوق ضحايا القمع البورقيبي من اليوسفيين و اولي الحق منهم.
أمّا الامر الثاني فلا نحسبه – و بدون تجنّ على صاحبنا – متوفرا فيه و ذلك لاعتبارين اثنين على الاقل :

الاول هو ان الايمان بقضية ما لا يمكن ان يكون وليد لحظة بل يرافقها صاحبها لعقود او اكثر. فالعالم لم يكترث بنلسون مانديلا الا بعد ان لقب بسجين العصر. نحن لا نطلب طبعا من صاحبنا ان يكون نلسون مانديلا حاشى و كلاّ بل ان يبيّن على الاقل ما يشير الى اهتمامه بالمسئلة اليوسفية قبل تاريخ تقديم شكايته, خاصة و انه لا نحسب وجود ما يمنع ذلك الاهتمام ابّان العهد النوفمبري الذي لم تكن لديه مشكلة مع المسئلة اليوسفية بل ربما أبدى تعاطفا على الاقل في مستوى خطابه الديماغوجي و الاعلامي مع رموز اليوسفية تخلله تكريم لارملة الشهيد و الحاق رفاته بمقبرة الشهداء. ربما يكون دافع نظام بن علي في ذلك التقليل من اهمية العهد البورقيبي الذي سبقه و بيان مساوئه.
كان بامكان صاحبنا وقتذاك او غيره من الحقوقيين بمن في ذلك كاتب هذه الاسطر ممن آمن بعدالة القضية اليوسفية اثارتها دون خوف على حياته لان الموضوع لم يكن من اهتمامات النظام النوفمبري من ناحية و ان المحامي له من الحصانة و الجرأة الكافيتين لاثارة هذا النوع من القضايا اذا ما آمن بها من ناحية اخرى. ثم ان صاحبنا – علاوة على ذلك – انخرط “بشكل جيّد” في شبكة علاقات النفوذ السياسي و الاقتصادي عبر – و دون الخوض في التفاصيل التزاما منا بالسّر المهني – حرفائه المستثمرين في مجال تنمية الجنوب, اصحاب الشركات التي نطلق عليها من قبيل المزاح بين الزملاء المحامين « les s » لكثرة تواتر حرف « S » في تسمياتها نسبة لكلمة “Sud ” بالفرنسية. ثمّ انتهت تلك الشركات بمصادرة الثورة لعقاراتها الشاسعة و املاكها ضمن مشاريع “للا حليمة” و “للاحضرية”…..فكان صاحبنا انذاك يتمتّع بهامش من الحرية تخوّله رفع قضيته – متى آمن بها – في كل وقت و دون أيّ ضغط.

الثاني ربّما ما غاب عن الاستاذ رضا بلحاج في تعليقه على الموضوع ضمن مقاله المنشور بجريدة المغرب هو ان الرجل سبق ان ترافع في قضايا الحوض المنجمي بوصفه من هياكل مهنة المحاماة انذاك الا انه لم يصل حسب زعمنا الى حدّ التخصص في مثل هذه القضايا. فقد غاب عن كل قضايا الراي حتى المنشورة بدائرة استئناف مدنين الاّ ما ندر من بعض محاكمات الاسلاميين في بداية مشواره المهني بموجب تساخير من الدولة.

ان رفع قضية بحجم الدفاع عن الضحايا اليوسفيين بهذه السرعة و الاعتباطية و برغم عدم سريان مفعول الزمن على جرائم التعذيب لا تخرج في اعتقادنا عن سياق الدعاية الاشهارية شأنها شأن – كما حدّثنا احد شباب الفايسبوك بمدنين – ظهور الرجل عشيّة هروب بن علي على احد بلاتوهات فضائية تونسية بصور شهيدة مدنين وهو بصدد بيان طريقة استشهادها دون تمييز اسمها في حين كان شباب الثورة في مدنين ينتظر – و القول دائما لصديقنا الفايسبوكي – أن يكون الرجل في ذلك الوقت على الحدود بالذهيبة او برأس الجدير او بأحد المطارات شأنه شأن السرياطي أو الطرابلسية و أعوانهم. الامر الذي أثار حفيظة شباب الثورة و دخلوا في صراع مع الرجل وصل حدّ التقاضي فيما بينهم.
أمّا ما نستحضره عن الرجل هو لمّا طلب مشورتنا في ترشحه لاول مرة لتمثيلية الفرع الجهوي للمحامين بصفاقس عن دائرة استئناف مدنين سنة 2004 هو قولنا له “ان من يصعد السلّم بسرعة تزّل قدماه”.

نتمنّى في الاخير ان لا تتسبب هذه الحادثة المعزولة في المسّ من نبل و عدالة قضيّة في حجم القضيّة اليوسفية التي لم يمط عنها اللثام بعد على جميع الاصعدة أكاديميّا و قضائيا و بشكل رسمي وهي مفصل من مفاصل العدالة الانتقالية بامتياز حتى تحفر في الذاكرة الرسمية لدولة ما بعد الثورة. و الله وليّ التوفيق./.
الاستاذ الصياح الوريمي – المحامي بجرجيس