الرئيسية / أخبار محلية / قراءة سريعة في تشكل الخارطة السياسية بعد الثورة

قراءة سريعة في تشكل الخارطة السياسية بعد الثورة

هل ينجح الشعب التونسي في البناء الجمهوري مثلما نجح في هدم الاستبداد؟

انتفض أهالي المناطق المحرومة في عديد جهات البلاد في شكل “بؤر حراك” متواترة في الزمن ( الحوض المنجمى 2008- بن قردان 2010…) .
أشعل الشهيد محمد البوعزيزي النار في جسده النحيف فاشتعلت مدينة سيدي بوزيد – طالت نار الانتفاضة المناطق المجاورة ( كامل بلدات ولاية سيدي بوزيد ثم القصرين – تالة – الرقــــــــاب …..) .ساندت مناطق داخل البلاد – وسطها و جنوبها – ( مدنين- الحامة – جرجيس …. ) انتفاضة سيدي بوزيد .
كانت القوى الفاعلة بالأساس شبابية, نقابية وحقوقية.
توجهاتها السياسية في الغالب قومية – يسارية – مستقلة و بعض الإسلاميين…
بدأت تنتقل وبسرعة من حركة احتجاجية اجتماعية إلى حركة ذات مضامين سياسية ترفع من سقف مطالبها شيئا فشيئا و يوما بعد يوم. تشتد مع غزارة دم الشهداء والجرحى المصابين “بالكرطوش الحي ” ما أفقد النظام البائد كل شرعية قانونيـــــــة و أخلاقية وأصبح في وضع المحتل الغاشم لأن نظام يقتل شعبه يصبح غريبا عنه و لا يستحق البقاء ولو لثانية زمنية واحدة.
وبدأت الثورة تنتقل إلى المدن الكبرى و تراكم المؤيدين لها الذين أذهلهم واستفزهم سقوط الشهداء في الشوارع و مشهد الجثث في المستشفيات. فازدادت جماهيرية الثورة وجذوتها يوما بعد يوم و انتقل الخوف من صفوف الشعب إلى صفوف النظام الذي لم يعد يعي ما يفعل و تحركت صفاقس وبعض أحياء تونس المحرومة و انتقل الدعر من صفوف الشعب الى صفوف النظام. و وصل هدير الشعب إلى شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة فهرب بن علي الذي — عملا بالمثل الشعبي القائل “فجعان الذئب و لا قتله ” – أرعبه المشهد.
أن سقوط الشهداء و الجرحى عجل في إسقاط الدكتاتور لأن الجماهير الثائرة وعت بقدرتها على التغيير وأمنت به دون حاجة ماسة لمن يقودها أو لذراع سياسي تستند إليه فحصل وعي جمعي سريع داخل قوى الثورة – التي احتضنتها الهياكل المحلية و الجهوية للاتحاد العام التونسي للشغل – في أنه وبكل بساطة “حرام أن يذهب دم الشهداء هدرا وبدون ثمن ” الأمر الذي جعل الجميع يجمع و يجتمع حول شعار ” أوفياء أوفياء لدماء الشهداء ” .
استمر المسار الثوري رفضا لحكومتي الغنوشي الاولى و الثانية و مطالبة بمجلس تأسيسي و حل التجمع و حل المجالس النيابية و البوليس السياسي. فكان اعتصام القصبة الأول و الثاني و لم تنفرج الأزمة نسبيا إلا باستقالة حكومة الغنوشي وخاصة بإقرار انتخابات المجلس التأسيسي.
عند دلك بدأت الأحزاب تتشكل و تحين تشكلها و تنتظم. البعض منها وهي الأكثر نضجا تنتظم بغاية الاستعداد للاستحقاق الانتخابي الذي به يبدأ البناء السياسي البديل و البعض الآخر وهي ” الأكثر ثورية ” و الأقل نضجا لم تولي للاستحقاق الانتخابي الحيز الهام من اهتماماتها و استنفذت قواها و جهدها في خلافاتها الداخلية.
ولعب الإعلام الوطني و الخارجي دورا في خلق مسافات متباعدة بين المتنافسين حتى قبل أن تبدأ المنافسة وخلق نجوم إعلام على حساب القوى الفاعلة في الشارع بأن همّشها أحيانا وتجاهلها أحيانا أخرى.
أن كل هذه المعطيات ستؤثر مباشرة في نتيجة انتخابات المجلس الوطني التأسيسي .
فإذا ما استثنينا بعض وجوه المؤتمر و التكتل و بعض اسلامييي الداخل فإن بقية قوى الثورة – قوميين ويسار و مستقلين- فشلت, لبعض الظروف الموضوعية … و بالأخص لأخطائها الذاتية, في سعيها في تشكيل الملامح الرئيسية الأولية على الأقل للخارطة السياسية المستقبلية بينما نجحت في دلك القوى الأكثر نضجا وأن كانت الأقل مشاركة في الفعل الثوري الذي أطاح بالنظام البائد رغم عدم إنكار شرعيتها التاريخية في صراعها مع ذلك النظام في بعض الفترات التاريخية .
وإذا ما استثنينا حركة النهضة كظاهرة مجتمعية “فريدة” فإن الأحزاب الإيديولوجية فشلت فشلا ذريعا في أول استحقاق انتخابي ديمقراطي لسبب رئيسي هو أن الناخب لا يرى أمامه برنامجا سياسيا جامعا بل فكرا إيديولوجيا يقصي بالضرورة الفكر المخالف. فعادة ما يحصل الحزب الإيديولوجي على أصوات منخرطيه و ناشطيه وأفراد عائلتهم و المتعاطفين معهم دون أن يصل إلى عموم الشعب متنوع الأطياف.
أما الأحزاب التي التقى أصحابها على برامج سياسية – بقطع النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا معها – ( كالمؤتمر و التكتل و الديمقراطي أو حتى آفاق تونس كحزب ناشئ…) فقد اجتازت بنجاح وبدرجات متفاوتة امتحان التشكل الأول لنفس الخارطة السياسية فوجدت نفسها في موقع متقدم لم يكن في حساباتها المنتظرة.
و نحن, و في انتظار المحطات الانتخابية المرتقبة, على أبواب التشكل الثاني لنفس الخارطة السياسية, نتوقع التمادي في نفس الاتجاه وهو مزيد من النجاح للأحزاب غير الأيديولوجية و استقرار شعبية الأحزاب الأيديولوجية إن لم نقل تقلصها. و دلك بالنظر للدينامكية و المرونة اللتان تتميز بهما – بحكم طبيعتها – الأحزاب الملتقية على برامج سياسية غير إيديولوجية و التي تضم منخرطين من جميع التو جهات الأيديولوجية, اد تجد في حزب المؤتمر أو التكتل مثلا القومي و اليساري و الإسلامي و غيرهم ممن لا إيديولوجية له. و هدا أمر طبيعي ضرورة أن الانتصار للدين الإسلامي أو الأمة العربية أو العدالة الاجتماعية كقيمة إنسانية لا يمكن أن يكون حكرا على فرد أو حزب أو ائتلاف حزبي….بل قواسم مشتركة لكل أفراد الشعب و أحزابه و جمعياته… و الدليل على دلك تفعيل كل تيار إيديولوجي في خطابه للعنصر الذي يتميز به التيار الإيديولوجي الأخر فأصبح الإسلامي عروبي و العروبي إسلامي و اليساري عروبي و إسلامي و العدالة الاجتماعية مطلب الجميع….
تحصلت حركة النهضة في الانتخابات السابقة على أقصى ما يمكن أن تحصل عليه و نتائجها مرشحة للتقلص أكثر من الزيادة أما القوى القومية و اليسارية فليس أمامها سوى توحيد عائلاتها و التكتل في جبهات ادا ما أرادت مزيد من الحياة.
ما ينبغي أن ندركه هو أننا في مرحلة تأسيس لعقد جمهوري مدني يرتكز على مبدأ المواطنة و الولاء للجمهورية دون غيرها. تتحدد فيه مبادئ الجمهورية التي تحكم الجميع أفرادا و مؤسسات حتى لا نرى في الشارع سلطة غير سلطة القانون و لا ميليشيات و لا ولاءات للأغلبية الحاكمة …و لا فوضى كأن يقرر مواطنون من تلقاء أنفسهم إحداث مخفضات سرعة لأي سبب كان متجاوزين السلطات المعنية….أو أن تنظم جمعية أو ائتلاف جمعيات عملا اجتماعيا أو ثقافيا ثم تأتي حركة النهضة أو أي حزب آخر و يتصدر الحدث و يصبح هو صاحب الفكرة و المنظم و الفاتق الناطق…مثلما حدث دلك في جرجيس عند استقبال إخوة من حماس….تلك هي الأحزاب الأيديولوجية التي بطبعها أحادية الفكر و متعصبة لرأيها و أن قبلت اللعبة الديمقراطية فهي مضطرة و في الظاهر دون الباطن و إن كانت غير دلك فهي ليست إيديولوجية.
إن المتفحص لنتائج الانتخابات السابقة يلاحظ, علاوة على النسبة الهامة لغير المصوتين التي تصل إلى 50 بالمائة, بان الشتات المهزوم تجاوزت نسبته 40 بالمائة . ما يعني أن جزءا هاما من القاعدة الانتخابية غير مستقر و متحول في اتجاه – على الأغلب – إعادة تشكل الشتات . بعضه في تحالفات و بعضه الأخر في انخراطات في أحزاب قائمة . و من المرجح أن تنال الأحزاب الليبرالية المنتصرة سابقا كالمؤتمر و التكتل و التقدمي…نصيب الأسد من تلك الانخراطات كل حسب أداءه و كيفية فرض شخصيته من موقعه في هده المرحلة الحساسة. فطريقة أداء حزبي “الترويكا”– المؤتمر و التكتل – بصفة عامة و طريقة تعاملهما مع حركة النهضة بصفة خاصة سيؤثر على ازدياد شعبيتهما من عدمه. كما أن دور- التقدمي- كقائد صريح للمعارضة ” التأسيسية ” سيحدد مدى تأثيره في العملية السياسية المستقبلية,

و في كل الأحوال فان مستقبل الجمهورية في تونس سيحدده مدى نجاح أو فشل الأحزاب غير الأيديولوجية , بشرط المحافظة على نهجها الديمقراطي داخلها واستيعابها الوافدين الجدد دون تردد أو تمييز و تكريس مبادئ الجمهورية في علاقتها بالأحزاب الأخرى و مكونات المجتمع المدني و مؤسسات الدولة, وهده الطائفة من الاحزاب يمكن تسميتها بالاحزاب الجمهورية.
اننا مدعوون الى تحديد مبادئ الجمهورية مبدءا مبدءا و تحديدها يعني اتفاق الجميع حولها و هدا سيستغرق وقتا طويلا يقاس – حسب رأي الاستاد عياض بن عاشور بالعقود – دون امكانية تحديد مداه دلك إن إرساء ثقافة الجمهورية والمواطنة بعد الثورة جهاد و بناء يومي طويل المدى. فهل يكون الشعب التونسي سباقا في البناء الجمهوري مثلما كان سباقا في هدم الاستبداد ؟ ثم إن جهود تحقيق الديمقراطية لا تنتهي أبدا خاصة و إننا لا نزال في بداية البناء الديمقراطي دلك إن الديمقراطية ليست سمة مطلقة إما أن تتوفر بشكل كامل أو لا تتوفر على الإطلاق و إنما هي مسألة نسبية متصلة مباشرة بمدى تحقق مبدأين متلازمين هما الرقابة الشعبية و المساواة السياسية بين أفراد الشعب و بمدى الاقتراب من تحقيق المثل الأعلى وهو أقصى درجة في المساواة في المشاركة في اتحاد القرارات التي تهم المجموعة الوطنية على جميع الأصعدة و في كل المستويات ./.

بقلم الاستاذ : صياح الوريمي