الرئيسية / أخبار محلية / ماذا يريد الغنوشي ؟

ماذا يريد الغنوشي ؟

ان مدعاة هذا السؤال المحير هي اسئلة حارقة من مثل لماذا و كيف يبرر راشد الغنوشي اعمال العنف و يدافع عن مصدرها و يجعل من مقترفيها “ضمير من ضمائر الثورة و منتوجها “؟ و يحمل كل المسؤولية عما جد يوم 04 ديسمبر 2012 لأنصار الاتحاد العام التونسي للشغل الذين اعتدوا حسب ذكره على اعضاء رابطات حماية الثورة…. وهو ما زاد في تأزيم العلاقة بين الحكومة و الاتحاد الذي لم يترك له من خيار آخر سواء اعلان الاضراب العام.
كل هذا بينما تجمع كل الطبقة السياسية التونسية ــ باستثناء من شذ والشاذ يحفظ و لا يقاس عليه ــ على ادانة رابطات حماية الثورة و بيان خطورتها على مسار الانتقال الديمقراطي في البلاد و اعتبارها مليشيات دخيلة على الثورة و تعمل لمصلحة حزب حركة النهضة.
فكأن هذا الرجل يغرد بمفرده خارج السرب؟ فهل يعقل ان يملك بمفرده الحقيقة و”تجتمع بقية الأمة على ضلالة”؟
قضى راشد الغنوشي 21 عاما من اللجوء السياسي في لندن و ابتعد نوعا ما عن الشأن السياسي ليهتم بالشأن الفكري العام للمسلمين … الى ان فرجت الثورة التونسية كربته و عاد الى ارض الوطن في فيفري 2011 حيث استقبل استقبالا شعبيا من قبل انصاره و صرح وقتها عن رغبته الشديدة في التفرغ “للعلم” و البحث…و عدم لعب أي دور سياسي في البلاد. ولكنه سرعان ما بدأ يجوب شرق البلاد و غربها, شمالها وجنوبها لعقد اجتماعات دعوية لتجييش و تحشيد انصاره و دغدغة احاسيسهم بأسلوبه الدعوي المعهود في إثارة الوازع الديني لديهم.
لفهم بعض زوايا ما يريده الغنوشي يتعين التذكير بأن مرجعيات حركة النهضة الفكرية منذ نشأة الجماعة الاسلامية ثم حركة الاتجاه الاسلامي لم تستند قط على افكار اعلام تونسية بل كانت قراءة لمجمل افكار سيد قطب و حسن البنا و ابو الاعلى المودودي و مالك بن نبي و منظري الثورة الايرانية كمرتضى مطهري و علي شريعتي و محمد باقر الصدر…وهو ما جعل خصومها يتهمونها بعدم تأصيل أفكارها في المخزون التونسي و بالتبعية للحركة الأم “حركة الاخوان المسلمين” في مصر و بالتحديد للمرشد العام الذي تتوجب بيعته حسب ادبيات الحركة الداخلية.
ان هذه التهمة ـ في اعتقادنا ـ لا تزال تلاحق حركة النهضة لأنها لم تسع الى نفيها عنها. بل اكدتها بأن تنكرت لتاريخ تونس السياسي ( مرحلة بناء الدولة الحديثة ) و لتاريخها الاجتماعي بأن حاولت ـ من اول تجربة لها في السلطة ـ كسر عظام أعرق مؤسسة وطنية يعود تاريخها الى ما قبل نشأة الدولة ذاتها. وهي ليست رمزا من رموز الدولة فحسب بل من رموز المجتمع و ركيزة من ركائزه (الاتحاد العام التونسي للشغل).
ربما لم يغفر راشد الغنوشي للمنظمة الشغيلة دورها في ان تكون “خيمة” الحوار الوطني و بقاءه هو خارجها.
ان فكرة التأسيس و لان تبناها جزء هام من النخبة التونسية و بالخصوص رجال القانون تأثرا بأطوار الثورة الفرنسية التي درسوها و درّسوها كانت لغاية القطع مع نظام الاستبداد و الفساد دون القطع مع التاريخ السياسي والاجتماعي للمجتمع التونسي و دولته و ادارته الحديثة.
إلا ان شيخنا و اتباعه يروا مسألة التأسيس اعمق من ان تكون مجرد قطع مع منظومة استبداد و فساد. لتكون تأسيسا لمجتمع جديد طبقا لمشروعهم العقائدي و الايديولوجي الذي لا يعترف بتراكمات تجارب الشعوب و المجتمعات وفق نسق تاريخي تتراكم ضمنه و تتبلور قيم ومكتسبات المجتمع. لذلك لا يعترف شيخنا برمزية و مكانة اعرق منظمة شغيلة يفخر بها كل تونسي في الداخل و الخارج. فيبعث لها مليشياته تفسد عرسها في ذكرى استشهاد مؤسسها لان الشيخ لم يكن يوما نقابيا و لا مهتما بالشأن النقابي لاعتقاده ان العمل النقابي “منتوج يساري” و لا يصلح ارضية خصبة لممارسة اختصاصه الدعوى. و لأنه لا يعتقد في جدوى وقيمة أية مؤسسة لا يحدثها بنفسه او لا يسيطر عليها أو لا يستطيع احتوائها. و لعل طلبة الجامعة التونسية في سنوات الثمانينات يتذكرون جيدا السجال الحاد بين مسألتي “المؤتمر 18 خارق للعادة” للاتحاد العام لطلبة تونس و “المؤتمر التأسيسي” للاتحاد العام التونسي للطلبة. وكيف ان الاسلاميين في الجامعة نسفوا تاريخ الحركة الطلابية التونسية حتى لا يضطروا للتعامل مع القوى الطلابية اليسارية.
بينما تكون المليشيات التي انشأها شيخنا مؤخرا منتوجا من منتوجات الثورة و ضميرا من ضمائرها.
لعلنا نذكر الشيخ انه يوم أنشأت الثورة لجانها و مجالسها ليحمي الشعب نفسه بنفسه في حركة عفوية وجميلة و سلسة وفي غياب سلطة الدولة كان هو لا يزال في لندن يتابع الاحداث عبر الفضائيات. ثم لما تماسكت مؤسسات الدولة من جديد بعودة الاستقرار و الامن تدريجيا و حصول التوافق السياسي الواسع حول انتخاب المجلس التأسيسي و بمجيئ الشرعية الانتخابية لم يعد الشعب في حاجة لان يحمي نفسه بنفسه لان القانون و القضاء و مؤسساتهما كفيلان بذلك.
يبدو ان المسألة لا تخرج عن أمرين: اما ان مستشاري الشيخ يغالطونه و يمدوه بالأخبار و الافكار التي تروق له فحسب او انه ينتهج الشكل الدعوي في الخطاب الهادف الى التجييش و التحشيد الحيني دون قراءة العواقب. وهو الاحتمال الغالب في نظرنا لعدة اسباب:
اولها ان مواقف الشيخ “الرعناء” التي احدثت بلبلة في البلاد و شنجت العلاقة بين الاتحاد و الحكومة لم تكن مكتوبة بل كلها في شكل تصريحات و خطابات و بمناسبة اجوبة ارتجالية عن اسئلة صحفية. و لعل حوار الشيخ مع جريدة الضمير ليوم الخميس 13 ديسمبر 2012 حين عدل نسبيا من موقفه يؤكد هذا الاحتمال. وثانيها اعجابه وتأثره الشديدين بالثورة الايرانية منذ ايامها الاولى تركا لديه رغبة دفينة في تقمص دور “مرشد الثورة” و ما يؤكد ذلك تصريحاته المتكررة في عدم لعب ادوار سياسية ثم الاعداد الدقيق لتفاصيل عودته لأرض الوطن حتى يراها المتابع اقرب ما تكون لعودة “اية الله الخميني” كالاعداد الدقيق لظهوره الجماهيري و الاعلامي. مع تمسكه برئاسة الحركة دون ان يضطلع بمهام حكومية وفي نفس الوقت لا يتوانى عن اعطاء رسائل من حين الى آخر تفيد انه “الفاتق الناطق” في البلاد. وثالثها ــ و هذا ما يريده شيخنا ــ فان مواقفه “الرعناء” بقدر ما تحمست لها قواعد النهضة و دافعت عنها صفحاتها على “الفايسبوك” بقدر ما أحرجت كوادر النهضة عموما و الحكومة خصوصا. و ذلك حتى يعطي الانطباع دائما على انه يعبر عن “روح الثورة” وانه في صف العامة و لا تعنيه الدولة كثيرا لأنها “وسخ دنيا” . معتمدا في ذلك على الوحدة الفكرية و الايديولوجية لعشرات الالاف من الذين يفكرون مثل بعضهم البعض.
اذا كان بن علي تمسك بالحكم و جعل لنفسه معارضة “كارطونية” فان الغنوشي يريد ان يجعل لنفسه حكومة “كارطونية” في حين تسكن السلطة الحقيقية تحت عباءته.
ان اخطر استبداد ليس الذي يمارسه شخص بل الذي تمارسه مجموعة ايديولوجية متحدة التفكير يقودها شخص مهووس بدغمائية لا يرى حقيقة سواها.
هل يكون المنصف المرزوقي بني صدر تونس؟ ذلك ما سنعلمه في قادم الايام. لكن هل ان عالم 2012 هو نفسه عالم 1979؟ ربما. لكن الاكيد ان تونس ليست ايران و لن تكون. و يكفي الشيخ ان يشاهد ” لي قينيول دي انفو”( القلابس ) للتأكد من ذلك.
جرجيس في 22 ديسمبر 2012 . الاستاذ الصياح الوريمي ــ المحامي بجرجيس ـ